أحمد بن علي القلقشندي
62
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بطالع السّعادة المتجدّدة ، فعجب المملوك من وقوع ذلك من مثل مولانا مع كمال نبله ، وشرف عقله وعلمه ، فإنّ اللَّه تعالى جلّ اسمه يقول : * ( يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ) * ( 1 ) وإنّ ما جدّده اللَّه تعالى من مواهبه جدير أن يتلقّى بالسّرور والفرح ، لا بالاستياء والتّرح ، لا سيّما والذّكر إنما يتفصل على الأنثى بنجابته ، لا بحليته وصورته ، وقد يقع في الإناث من هو أشرف من الذكور طبعا ، وأجزل عائدة ونفعا ، وقد روي أنّ رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « إذا رزق العبد الأنثى نادى مناد من السماء : يا أهل الدار ، أبشروا بالرّزق ، وإذا رزق ذكرا نادى مناد من السماء : يا أهل الدار ، أبشروا بالعزّ » فليستقبل مولانا الرّزق بالشّكر فإنّ العزّ يتبعه ، ولا يعارض اللَّه تعالى في إرادته ، ولا يستقلّ شيئا من هبته ، واللَّه تعالى يعرّفه يمن عهودها ، وسعادة قدومها ، وأن يسرّه بعدها بإخوة متتابعين متلاحقين ، يؤيّدون أمره ، ويحيون بعد العمر الأطول ذكره . أبو الفرج الببغاء : لو كان الإنسان متصرّفا في أمره بإرادته ، قادرا على إدراك مشيئته ، لبطلت دلائل القدرة ، واستحالت حقائق الصّنعة ، ودرست معالم الآمال ، وتساوى الناس ببلوغ الأحوال ، غير أنّ الأمر لمّا كان بغير مشيئته مصنوعا ، وعلى ما عنه ظهر في الابتداء مطبوعا ، كان المخرج له إلى الوجود من العدم ، فيما ارتضاه له غير متّهم ، ومولانا - أيده اللَّه - مع كمال فضله ، وتناهي عقله ، وحدّة فطنته ، وثاقب معرفته ، أجلّ من أن يجهل مواقع النّعم الواردة من اللَّه تعالى عليه ، أو يتسخّط مواهبه الصادرة إليه ، فيرمقها بنواظر الكفر ، ويسلك بها غير مذاهب الشكر . وقد اتّصل بالمملوك خبر المولودة كرّم اللَّه غرّتها ، وأطال مدّتها ، وعرّف مولانا البركة بها ، وبلَّغه أمله فيها ، وما كان من تغيّره عند اتّضاح الخبر ، وإنكار
--> ( 1 ) سورة الشورى 42 ، الآية 49 .